21 اغسطس 2018 م - 10 ذي الحجة 1439 هـ
مجلة الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم (العدد الثالث- شوال1438-يوليو2017)
مجلة الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم (العدد الثالث- شوال1438-يوليو2017)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعدُ:

فقد عظَّم الإسلامُ شأنَ العلمِ، ورفعَ قدرَ أهلِه؛ حتى كان أول أمر إلهي نزل به الوحيُ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الأمر بالقراءة في قوله تعالى: {ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٢ ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٣ ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ ٤ عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ} [العلق: 1- 5]، داعيًا للقراءة والبحْثِ والمعرفةِ في كل جوانبِ الحياة وفي كتابي الله تعالى: الكتاب المسطور وهو القرآن، والكتاب المنظور وهو الكون، وكلاهما صادرٌ عن الله تعالى؛ إنْ من عالم الخلق، أو من عالم الأمر.

والبحث العلمي هو المظهر الحقيقي لطلب المعرفة الصحيحة ولتطوُّر العلم وتقدُّمه وازدهاره، وهو نقطة البداية لنضعَ أقدامَنا جميعًا على طريقة المشاركة الحضارية الإنسانية، وكم يحتاج العالم إلى منهجِ بحثٍ رشيدٍ، وكم يحتاج إلى تراث المسلمين، وطريقة تفكيرهم، وتجربتهم في استيعاب الحضارات، وتلاقُح الأفكار، والتعاون لاستنباط صيغ جديدة لمزاولة الحياة، والسبيل إلى كل ذلك هو التعاونُ لنهضة البحث العلمي ليكون امتدادًا حقيقيًّا لصياغة حضارية عالمية تحافظُ على منجزات الحضارة وتقدم حلولًا متكاملةً لمشكلاتها.

وإن الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم -من منطلق حرصها على نشْرِ صناعةِ الفتوى الصحيحة- لَتدعو العلماءَ والفقهاءَ والمفتين وطلبةَ العلمِ في جميع التخصصات إلى الاهتمام بهذا الجانب، والتوسُّع فيه، وتحويله إلى بحوث أكاديمية ورسائلَ علميةٍ، وتأصيله تأصيلًا تفصيليًّا من أجل انطلاق البحث العلمي بأقوى صوره، وخصوصًا فيما يُسهم في حل مشكلات المسلمين الإفتائية حول العالم؛ لِيتسنَّى لهم الجمعُ بين التمسُّك بدينهم والعيشِ في عصرهم وفي وطنهم حيثما كانوا.

وكم نحتاج في عصرنا هذا إلى البحث العلمي المتخصص، وإلى التعمُّق والبُعد عن التعميم والسطحية، وإلى الجمعِ بين الأصالة والتجديد، وإلى العناية بالبُعد الإنساني في الخطاب الإسلامي، وإلى التصدي بشجاعة للقضايا المثارة، وتغليب المنطق العلمي القائمِ على الإقناع بدلَ الخطابِ الإنشائي، والجمع بين المثالية والواقعية، وإبراز الأبعاد التربوية والروحية المتكاملة.

إنَّ العنايةَ بالبحث العلمي ورعايةَ جوانبه تجعلُ النفوسَ والعقولَ والقلوبَ التوَّاقةَ للبحث والمعرفة أكثرَ رشدًا وأوْسَعَ أفقًا، ولا شك أن الرشد وسعة الأفق متناقضان تمامًا مع التطرُّف كليًّا وجزئيًّا نفسًا وقلبًا وروحًا، وبذلك تكون رعاية البحوث العلمية والعناية بها لبنةً أساسيةً في طريق الحرب على التطرُّف والإرهاب، فالجاهلُ عنيفٌ، والعالِمُ رحيمٌ بالناس بما فتح الله له من أفق المعرفة الصحيحة.

إنَّ إتقانَ صناعةِ البحث العلمي -كشأن إتقان صناعة الإفتاء- لَيُسْهِمُ إسهامًا في التعمُّق في فقه الشريعة نصوصًا وأصولًا ومقاصدَ ووسائلَ، ولَيُسهِمُ أيضًا في تعميق إدراكنا للواقع كلَّ حين، وذلك ركنٌ آخرُ من أركانِ مواجهةِ التطرفِ ومن أركان عملية التجديد الرشيد الذي يسعى إليه المسلمون.

لا شكَّ أن من يتعشَّق البحث والمعرفة يستطيعُ أن يميز بين الشخصية الطبيعية والشخصية الاعتبارية، وسيُفرِّق بين فقه الأمة وفقه الأفراد، وسيتمكَّن من طريقة الاختيار الفقهي سواء كان من جهة رجحان الدليل، أم من جهة مراعاة المصلحة، أم بالانتقاء في كل مسألة على حدة مِن الفقه الإسلامي الواسع الموروث فيما فيه اجتهاد من السابقين مع القيام باجتهاد جديد في المسائلِ المُحدَثة، والأهم من ذلك والأعظم أنه سيبادرُ على طول الخط إلى رعاية جهات تغيُّر الخطاب الأربع: الزمان، والمكان، والأشخاص، والأحوال؛ حتى نحقق المصالحَ، ولا نخرجَ عن المقاصدِ الشرعية، ونحسب حِساب الملاءمة الواقعية، مع عدم الخروج على إجماع ثابت واضح، وبذلك نأخذ جانب النسبية في البحث العلمي والاجتهاد الفقهي ونتائجه؛ لأنه جهد بشري، مع الإيمان بأن النص المقدس من كتاب أو سُنَّة صحيحة مطلق.

لقد أصبح الواقع المعيش بما تجدَّد فيه من وسائلِ الحصولِ على المعلومات أكثرَ تعقيدًا، ليس لصعوبة الحصول على المعلومات؛ بل لتزاحُم المعلومات واختلاطها بالإشاعات والأوهام في كثير من الأوقات، بما يملي علينا أن نكونَ أكثرَ عنايةً بمناهجِ البحث، وهذا هو الذي يعيننا على التوثيق السليم والرشد في التناول والتعامل والتداول.

ولا جدالَ في أنَّ البحثَ العلميَّ يحتلُّ في الوقت الراهن مكانًا بارزًا في تقدم النهضة العلمية وتطورها من خلال إسهام الباحثين بإضافاتهم المبتكرة إلى رصيد المعرفة والعلم الذي يحتلُّ الصدارةَ منه العلمُ الشرعيُّ؛ حيث إن فلاحَ الأممِ في صلاح أعمالها، وصلاحَ أعمالها في صحَّةِ علومها، وصحَّةَ علومها في أن يكون رجالُها أمناءَ فيما يروون أو يصفون.

 ومن ثَمَّ كانت عناية الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم بتلك القضية عنايةً فائقةً، وها هي ذي واحدة من مظاهرِ تلك العناية؛ وهي هذه المجلة العِلمية المُحكَّمة التي تُعنَى بمجموعة من البحوث العلمية إسهامًا في تحقيق الثمرة للجهود الإفتائية العالمية من عبادة وعمارة وتزكية، ويخرج هذا العدد من المجلة حاويًا عدةَ بحوثٍ لجماعة من علماء الإفتاء في العالم.

وقد كتب أ. د/ علي جمعة محمد عبد الوهاب عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ومفتي جمهورية مصر العربية السابق عن وظيفة الإجماع.

وكتب أ. د/ محمد كمال الدين إمام الأستاذ بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية عن المقاصدِ الضــرورية والمواطـنة.

وكتب أ. د/ محمد بشاري عميد معهد ابن سينا للعلوم الإنسانية ورئيس الفيدرالية العامة لمسلمي فرنسا وأمين عام المؤتمر الإسلامي الأوروبي - فرنسا، عن تحديات المواطنة المعاصرة في ظل الخلافات الثقافية والتعددية الثقافية.

وكتب الأستاذ/ أحمد ممدوح سعد مدير إدارة الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء المصرية عن الأدلة المتفق عليها بين القطعية والظنية.

وكتب د/ محمد وسام عباس خضر مدير إدارة الفتوى المكتوبة بدار الإفتاء المصرية عن مفهوم المواطنة وعلاقتها بالانتماء، دراسة لغوية اشتقاقية ونماذج مقاصدية وإفتائية.

ونحن ندعو العليم الخبير جلَّ في علاه أن يباركَ في هذا الجهد، ويمدَّ نفعَه ليصلَ إلى كل إنسان باحثٍ عن المعرفة والحق والرشاد، إنه هو السميع البصير، وإنه بالإجابة لجدير.

     د/ إبراهيم إبراهيم نجم

الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم

مستشار مفتي جمهورية مصر العربية

العدد الثالث