15 نوفمبر 2018 م - 7 ربيع الأول 1440 هـ
إشكالية الدور السياسي للمرأة في الإسلام بين النظرية والتطبيق.....

تعدُّ قضية المشاركة السياسية للمرأة المسلمة، من أهم التحديات التي تواجه الفقه الإسلامي المعاصر، بل إنَّ قضايا المرأة المسلمة المعاصرة بشكل عام تظل حائرة بين المدرسة التقليدية، وبين أصحاب الفكر التجديدي، ولا شكَّ أنَّ امتزاج الثابت والمتغير في بناء الفقه الإسلامي أكسبه خاصية المسايرة والمواكبة لكافة العصور، وأكسبه أيضًا خاصية الملاءمة لكافة الظروف والأشخاص، كما أكسبه المرونة والصلاحية لكافة الأحوال.

وإذا أمعنا النظر في صنيع فقهاء الصحابة وكبار التابعين والفقهاء المتبوعين، علمنا أنَّ مراعاة المقاصد الشَّرعية والأصول الكلية، والنظر إلى المآلات في سائر التصرفات، كان منهجًا واضحًا مطردًا يساعدُ على معرفة الحكم المناسب للواقع، وتجاوز ما لم يعُد ملائمًا وإن كان موروثًا.  

علينا إذن أن نتعامل مع ثروتنا الفقهية بطريقة تتجاوز الظاهرة الصورية  أو الاجترارية إلى المنهجية الواقعية، ونعني بالظاهرة الصورية هو أن ننظر إلى الموروث الفقهي بشكل عام باعتباره مقدسًا صالحًا لكل زمان ومكان، فننزل الفقه منزلة الشريعة وهذا خطأ منهجي بالغ،  لا يمت بصلة إلى منهج أسلافنا الصالحين، بل يوقعنا في كثير من المشاكل عندما نواجه تلك التراكمات التي ازدحمت بها حركة الحياة في مجالات معاصرة متعددة، أبرزها قضايا المرأة  وقضايا المعاملات المالية والاقتصادية برمتها وبخاصة المصرفية، ومنها أيضًا مجالات السياسة الشرعية والعلاقات الدولية، ومنها كثير من القضايا المتعلقة بالقضاء الشرعي وطرق الإثبات القضائية، فلا شك أنَّ قدرًا كبيرًا مما كتبه أسلافنا الصالحون في هذه المجالات كان مرتبطًا لصيقًا بالواقع الذي دُوِّن فيه، ولا شك أنَّ تلك الأحكام التي كان الواقع مكونًا أساسيًّا من مكوناتها تتغير بتغير هذا الواقع، وهذا هو المعنى الحقيقي لصلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان.    

ولا بد هنا أن نتعرض لنقطتين أعتبرهما غاية في الأهمية عند دراستنا لهذا الموضوع:

1- قضية الإمامة أو الخلافة العظمى ومدى أحقية المرأة في تولي هذا المنصب.

2- التغيرات الجذرية التي طرأت على شخصية المرأة، وأثرها في مثل هذه البحوث.

وبالنسبة للقضية الأولى وهي تولي المرأة للخلافة العظمى، فالخلافة ليست منصبًا سياسيًّا محضًا بل هو ولاية دينية كالإمامة تشترط فيها الذكورة بالإجماع فلا مجال لجعل هذه القضية محل نقاش، بل من الجدل العقيم أن نناقش: هل يجوز أن تتولى المرأة الخلافة العظمى أو لا؟ مع عدم وجود نظام الخلافة أصلًا، فالجدل محسوم؛ لعدم وجود المحل، ومن المعلوم في علم أصول الفقه أنَّ الحكم ينعدم بانعدام محله.

وبالنسبة للنقطة الثانية وهي قضية التغيرات الجذرية المعاصرة التي طرأت على شخصية المرأة على نحو أقرب للطفرات منه إلى التطور الطبيعي قياسًا بما كانت عليه من قبل. شئنا أم أبينا فقد خرجت المرأة من خدرها، وتلقت أرقى درجات التعليم والثقافة في شتى الميادين، وبزت الرجال ونافستهم في بعض الميادين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الشرق والغرب، وتغلغلت في كثير من المؤسسات ونالت أرقى المناصب، وأثبتت جدارتها وكفاءتها في ميادين كثيرة، وبغضِّ النظر عن الأسباب التي أدت إلى هذه الطفرة في حياة المرأة المسلمة، فينبغي التعامل معها باعتبارها واقعًا مستقرًّا في كثير من مجتمعاتنا الإسلامية، والواقع لا يرتفع كما هو معروف، فلا بد أن تتغير نظرة الفقه الإسلامي للمرأة بناء على هذا التغير الذي طرأ على شخصيتها وثقافتها ونشاطها الاجتماعي، وخير للإسلام والمرأة المسلمة أن نوفق أوضاعها بما يتوافق مع ثوابت الدين ونظامه العام، بدلًا من أن نفتعل بينها وبين الدين عداوات لا مبرر لها، ولا جدوى منها.

ولنا أن نتأمل في العهد النبوي كيف كان تعامله صلى الله عليه وسلم مع المرأة في شأن الأمور العامة:

1- في العهد النبوي تعددت المناسبات التي بايعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عددٌ من النساء، اللاتي لعبن دورًا هامًّا في تكوين الأساس المتين للمجتمع الإسلامي منذ نشأته المبكرة في مكة المكرمة، فقد روى ابن سعد في طبقاته الكبرى عن أبي سلمة عبد الرحمن بن عوف أن عمر وعائشة إذا أتيا مكة نزلا على ابنة ثابت وكانت من النسوة السبع اللاتي بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة.([1])

وهناك غير ابنة ثابت هذه قائمة كبيرة من أوائل النساء اللاتي بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كَرَمْلَةَ بنت أبي عوف السَّهمية، وفُكيهة بنت يسار، وأم جميل بنت المجلل، وريطة بنت الحارث، وسهلة بنت سهيل بن عمرو القرشية العامرية، والشفاء بنت عبد الله العدوية… وغيرهن. نعم، كانت هذه البيعة على الإسلام والسمع والطاعة، ولكن هل يستطيع أحد من الباحثين أن يفصل بين هذه البيعات وبين آثارها السياسية العميقة، التي كانت تمثل انقلابًا خطيرًا على الأوضاع الدينية والاجتماعية والسياسية التي فشت في المجتمع الجاهلي آنذاك؟

وقبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي السنة الثالثة عشرة من البعثة النبوية وَفَدَ من المدينة ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان هما؛ نسيبة بنت كعب بن عمرو بن مازن بن النجار وكنيتها أم عمارة، وأسماء بنت عمرو بن نابي وكنيتها أم منيع، وبايعوا رسول الله على حرب وجهاد كل من يحارب الإسلام ويقاوم دعوة التوحيد، وكان حضور النساء لهذه البيعة دليلًا على تمام وعيهن بما يدور حولهن، وأهليتهن وقدرتهن على الوفاء بما التزمن به أمام رسول الله، وكذلك كان هذا إقرارًا من النبي صلى الله عليه وسلم على صحة هذه البيعة منهن.

هل يرتاب عاقل في أنَّ هذه البيعة كانت لها ظلال سياسية واضحة، وأنها كانت ضاربة لا أقول في أعماق الشئون السياسية فحسب، بل أقول في أعماق تكوين أساس الدولة الإسلامية ووضع لبناتها الأولى.

إن الدخول في الإسلام مع معارضة الأهل والسلطة الحاكمة ثم ما يتبعه من الاهتمام بأخباره أو التعرض للتعذيب بسببه أو الهجرة من الوطن في سبيله، كل هذا يعتبر نشاطًا سياسيًّا حسب التعبير المعاصر، وقد كان وراء ممارسة المرأة المسلمة لكل هذه الصور من النشاطات عقيدة راسخة تدعوها إلى مشاركة الرجل في نصرة الدين الجديد([2]).

2- الشِّفَاءُ بنتُ عبد الله القرشية العدوية؛ تذكر المصادر التاريخية كتهذيب الكمال للمزي والإصابة للحافظ ابن حجر أنها أسلمت قبل الهجرة، وهي من المهاجرات الأُوَل، وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت من عقلاء النِّساء وفضلائهن، وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: علِّمي حفصة رُقية النملة كما علمتِها الكتابة، وأقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم دارها عند الحكاكين بالمدينة، فنزلتها مع ابنها سليمان، وكان عمر يقدمها في الرأي، ويرعاها ويفضلها، وربما ولاها شيئًا من أمر السوق([3]).

فلنتأمل وصف هذه المرأة بالعقل والحكمة والفضل وإتقانها شيئًا من العلوم والمعارف النادرة في هذا الوقت، فواقع هذه المرأة وحالتها قد فرض نفسه، مما أهَّلها لأنْ تكون مقدَّمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومستشارة للخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومتولية حسبة السوق في عهده، فهل كان عمر رضي الله عنه غافلًا عن الحديث الشريف «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة».

3- في الاستيعاب لابن عبد البرِّ وغيره من المصادر في ترجمة الصحابية سمراء بنت نهيك الأسدية أنها أدركت النبي صلى الله عليه وسلم وعمرت، وكانت تمر في الأسواق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتنهى الناس عن ذلك بسوط معها([4]).    

4- مشاركة السيدة عائشة في الأحداث السياسية والعسكرية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أشد المراحل التي مرَّت على الأمة بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم، على عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه، وكذا في خلافة عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد سطَّر التاريخ روايات كثيرة تدل في مجموعها -وبعد تنقية الزائف والباطل منها- أنها كانت تمثِّل جبهة معارضة قوية في عهد هذين الخليفتين الراشدين، وأنها رضي الله عنها كانت ذات حضور بارز في جميع الأحداث في هاتين المرحلتين، وبغضِّ النظر عن تأيدينا أو معارضتنا لهذا الموقف من السيدة عائشة، بل بغضِّ النظر عما روي من ندم السيدة عائشة ورجوعها عن هذه المواقف؛ فإن كل هذا لا يقدح في أنه كان لها اجتهاد فقهي، دعاها إلى قيادة جبهة المعارضة في هذا الوقت، وأنها كانت ترى في نفسها الأهلية والكفاءة لمباشرة هذه الأمور، وكان حولها عدد من الصحابة الذين تابعوها على اجتهادها، وانقادوا لرأيها، والاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد كما قرر الأصوليون والفقهاء.

 المساواة في التشريع بين الرجال والنساء على السواء:

إذا نظرنا إلى طبيعة التشريع في الإسلام، نراه لا يفرق بين الرجل والمرأة في  التشريعات التي شرعها الله للإنسان بوصفه إنسانًا، أما الأعمال التي يقوم بها الإنسان بوصفه ذكرًا أو بوصفه أنثى فقد غاير الشرع بينهما في الأحكام التي تناسب طبيعة كل منهما، فمثلًا نرى وجوب النفقة والقيام بالأعباء المادية بالنسبة للزوج، وكذا القيام بالأعمال القتالية ومهام حفظ الأمن الداخلي والخارجي مهامًا خصَّها التشريع بالرجال دون النساء، بينما نرى أن أمورًا مثل الإنجاب والرضاعة والعدة والحضانة والرعاية التي تناسب الطبيعة الأنثوية للمرأة قد اختصت بها النساء دون الرجال، وليس من لوازم اختصاص المرأة بهذه الأحكام أنها لا يجوز لها أن تمارس غيرها من الأعمال؛ فقد شرع الله لها أن تتعلم وأن تُعلِّم، وأن تدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأجاز لها البيع والتجارة والإجارة والوكالة والشركة والهبة والوصية وأن تتولى أصيلة عن نفسها كافة أنواع العقود، وحرم عليها الكذب والغدر والخيانة، وذلك لعموم الخطاب بين الرجال والنساء في هذه الأمور.  

وباستثناء هذه الأمور العائدة إلى الخلقة والطبيعة الخاصة لكل منهما نرى أن التشريع الإسلامي لا يفرق بين ذكر وأنثى في أي مجال من مجالات التشريع، وإليك بعض النصوص الدالة على ذلك:

أولًا من القرآن الكريم:

1-  ) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ( [آل عمران: 195].

2- )  وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا( [النساء: 124].

ثانيًا من السُّنة النبوية: روى أبو داود والترمذي وغيرهما بإسناد صحيح عن أم سُليم رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» ([5]).

هذه هي الأدلة القاطعة التي تقرر مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في جميع الحقوق والواجبات، ولا ريب أن ممارسة الحقوق السياسية داخلة قطعًا في هذا العموم؛ إذ لا دليل قطعي على منع المرأة من مباشرة هذه الحقوق.

وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستشير زوجاته في الأمور العامة ويأخذ بقولهنَّ أو برأيهن، كما ورد في شأن امتناع أصحابه عن الحلق والذبح في عمرة الحديبية بعد الصلح، وأبدت زوجه أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها رأيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأيها وكانت مشورتها سببًا في درء الفتنة.

والمعترضون على جواز مباشرة المرأة للحقوق السياسية يستدلون بالحديث الصحيح عن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة».

وهذا الحديث لا حجة فيه، والعموم فيه غير مراد قطعًا، لأننا لو طردنا العموم في هذا الحديث لمنعنا المرأة من كل ولاية ومن كل أمرٍ عامٍّ أو خاصٍّ، وهو خلاف الأصول العامة للشريعة المطهرة والإجماع المنعقد على صحة ولاية المرأة في شئونها الخاصة وشئون الأمة العامة كما قدمنا من أمر البيعة من كثير من النساء في عهد النبي، والحسبة من الشفاء في ولاية عمر، والأمر بالمعروف والنهي  عن المنكر من سمراء بنت نهيك وقيادة المعارضة من قِبل عائشة، وغاية ما يمكن أن يُستدلَّ به من خلال هذا الحديث منع المرأة من الولاية العظمى التي ليس فوقها ولاية وهي الخلافة، وقد تقدم حسم الأمر بالإجماع.

تحقيق القول في دلالة قوله صلى الله عليه وسلم: «لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة»:

روى البخاريُّ (4425) عن أبي بَكرة قوله: لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى، قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً».

وإذا تتبعنا روايات الحديث في بقية المصادر نجد الآتي:

في سنن الترمذيِّ (2262)، وسنن النَّسائي الكُبرى (5403) والحاكم في المستدرك (3/119): عَصَمَنِي الله بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَلَكَ كِسْرَى قَالَ مَنْ اسْتَخْلَفُوا؟ قَالُوا بِنْتَهُ قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً».

وهذه الروايات لها أهميتها في تحديد هل هذا الحديث من قبيل العام الذي لم يخصص أو أنه من قبيل الخاصِّ الذي لا يتجاوز محله في الحكم؟

في رواية البخاري نرى أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بلغه أن ابنة كسرى هي التي خلفت أباها في الحكم، وفي رواية الترمذي وغيره، نرى أن هذا الخبر جاء بناء على سؤال أو استفصال أو استفسار من النبي صلى الله عليه وسلم، فهو ليس قولًا من النبيِّ ابتداء، ولكنه قول جاء عقب استفصال أو استفسار، فلا ينزل منزلة العموم لأن القاعدة أن ترك الاستفسار في مقام الإجمال ينزل منزلة العموم في المقال، واستفساره صلى الله عليه وسلم يجعل القضية قضية عين لا عموم لها.

وهذا الذي جعل الفقيهةَ المجتهدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لا تلتفت إلى رأي أبي بكرة رضي الله عنه في الانفصال عنها بناء على فهمه لهذا لدليل، وأبو بكرة رضي الله عنه ليس في طبقة عائشة رضي الله عنها من حيث الفتوى والاجتهاد؛ فعائشة من طبقة المكثرين الذين حُفظت عنهم الفتوى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما أبو بكرة فمن طبقة الملحقين بالمتوسطين -وليس من المتوسطين- وطبقة المتوسطين من الصحابة يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير جدًّا، فما بالك بمن هم أقل([6])

مما سبق يتضح لنا بجلاء أنه لا مانع من تولي المرأة أية ولاية من الولايات العامة عدا منصب الخلافة العظمى، وأن لها أن تمارس كافة الحقوق السياسية التي يمارسها الرجل انتخابًا أو ترشيحًا أو معارضة، ما دامت مؤهلة لهذه الأمور.

 

 


[1]) انظر: الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد بن منيع أبو عبد الله البصري الزهري (8/10)، ط: دار صادر بيروت.

([2]) انظر: تحرير المرأة في عصر الرسالة للشيخ عبد الحليم أبو شقة (2/ 55) ط: دار القلم الكويت، دور المرأة السياسي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين (ص163) للباحثة: أسماء محمد أحمد زيادة، ط. دار السلام القاهرة.

([3]) انظر: تهذيب الكمال في أسماء الرجال للحافظ جمال الدين المزي (35/207) ط. دار الرسالة تحقيق بشار عواد معروف.

([4]) انظر: المعجم الكبير للطبراني (24/311) (785)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (6/3369)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر الخلال (1/128)، مجمع الزوائد للهيثمي (15440) الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر (2/102)، التراتيب الإدارية في نظام الحكومة الإسلامية للشيخ عبد الحي الكتاني (1/285). وقال الهيثمي معلقًا على إسناد هذه القصة: «إسناده رجاله ثقات».

([5]) أخرجه: أبو داود في سننه (236)، والترمذي (113) وأحمد في مسنده (26195)، وأبو يعلى الموصلي في مسنده (8/149) (4649)، والبزار في مسنده (6418) وإسناده صحيح.

([6]) انظر إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/12) لمحمد بن أبي بكر أيوب الزرعي الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية. تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، ط. دار الجيل بيروت.