15 نوفمبر 2018 م - 7 ربيع الأول 1440 هـ
الفكر التكفيري في تاريخ الأمة الإسلامية النشأة والتطور والمظاهر .....

ما المقصود بالفكر التكفيري؟

الفكر التكفيري هو مظهر من مظاهر الانحراف عن الفهم الصحيح الوسطي لحقيقة الإيمان والإسلام، وصورة من صور تبديل أحكام الشريعة وسماحتها، واستبدالها بتصور ساذج باطل قائم على رمي المسلمين بالكفر والشرك وإخراجهم من دائرة الإسلام لأدنى ملابسة. وقد ظهر هذا الانحراف في صور فردية وجماعية عبر تاريخ الأمة الإسلامية.

الكفر لغة واصطلاحًا

الكفر لغة:

 قال ابن فارس: «الْكَافُ وَالْفَاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ السَّتْرُ وَالتَّغْطِيَة»([1]). وقال ابن الأثير: «وأصْل الكُفْر: تَغْطِيَةُ الشَّيْءِ تَغْطِيَةً تَسْتَهْلِكُهُ»([2]).    

والكفر اصطلاحًا:

قال الراغب الأصفهاني: «والكَافِرُ على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانية، أو النبوة، أو الشريعة، أو ثلاثتها»([3]).

قال ابن حزم رحمه الله: «نقل الله تَعَالَى اسْم الْكفْر فِي الشَّرِيعَة إِلَى جحد الربوبية وَجحد نبوة نَبِي من الْأَنْبِيَاء صحت نبوته فِي الْقُرْآن أَو جحد شَيْء مِمَّا أَتَى بِهِ رَسُول الله ﷺ مِمَّا صَحَّ عِنْد جاحده بِنَقْل الكافة أَو عمل شَيْءٍ قَامَ الْبُرْهَان بِأَن الْعَمَل بِهِ كفر»([4]).

بداية ظهور الانحراف الفكري في أمة الإسلام

ظهرت أول لمحة من بوادر هذا الانحراف الفكري في العهد النبوي، حيث قدر الله سبحانه وتعالى أن يرشدنا النبي ﷺ لهذه الظاهرة تحذيرًا منها.

- في العهد النبوي:

عن أبي سعيد الخُدْري t قال: بينما نحن عندَ رسولِ الله ﷺ وهو يقسِم قَسْمًا أتاه ذو الخُويصِرة -وهو رجلٌ من بني تميم- فقال: يا رسولَ الله، اعدِل! فقال: «وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ». فقال عمر: يا رسولَ الله، ائذَن لي فيه فأضربُ عنقَه. فقال: «دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَع صَلاتِـهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»([5]). فبداية الانحراف هي الاعتراض على صاحب الشريعة ﷺ وعدم التسليم له، والاستقلال بالفهم، وما يتبع ذلك من التصورات الباطلة لأحكام الدين وحقيقته.

-  في عهد الصحابة والتابعين:

لم يكن أحد من صحابة رسول الله ﷺ يحمل هذا الفكر -وحاشاهم رضي الله عنهم-؛ وإنما ظهر في عهد الخليفة الراشد الرابع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على يد طائفة الخوارج([6])، التي افتتحت أمر هذا الانحراف الفكري في أمة الإسلام، فأصَّلَتْ لنفسها أصولًا خاصة بها في الإيمان وأحكامه، خرجت فيها عما كان عليه النبي ﷺ، وما فهمه الصحابة الكرام، فكفرت جموع المسلمين حكامًا ومحكومين، وخرجت عليهم بالسيف واستحلت دماءهم وأموالهم، وعملت على نقض نظام الأمة وشق صفها.

مجمل ملامح أفكار الخوارج في هذه الفترة

تبلورت عدة مظاهر ميَّزتِ الفكر التكفيري عند جماعات الخوارج التي ظهرت في هذا العهد، فمن ذلك:

-إسقاط الآيات الَّتي نزلَت في الكفَّار والمشركينَ على المسلمينَ وإعمالُ أحكامِها عليهم؛ اتِّباعًا لِهواهم في تكفيرِ أهل القِبلة:

 فقد رَوى الإمامُ الطَّبري بسندِه إلى ابنِ أَبزَى أنَّ رجلًا مِنَ الخوارجِ جاءَه يقرأُ عليهِ هذه الآيةَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1] قالَ له: ألَيس الَّذين كفَروا بربِّهم يعدِلون؟ قال: بلى! قال: وانصَرفَ عنه الرَّجلُ، فقالَ له رجلٌ مِنَ القومِ: يا ابنَ أبزَى، إنَّ هذا قد أرادَ تفسيرَ هذه غيرَ هذا، إنَّه رجلٌ مِنَ الخوارجِ، فقال: ردُّوه عليَّ، فلمَّا جاءه قال: هل تدري فيمَن نزلَت هذه الآيةُ؟ قال: لا، قال: إنَّها نزلَت في أهلِ الكتابِ، اذهَب ولا تضَعها على غير حدِّها»([7]).

قالَ ابنُ كثيرٍ: «مَرَّ سعدٌ- أي: ابن أبي وقَّاصٍ- برجلٍ مِنَ الخوارجِ، فقال الخارجيُّ: هذا مِن أئمَّةِ الكفرِ، فقالَ سعدٌ: كذبتَ بل أنا قاتلتُ أئمَّةَ الكفرِ»([8]).

- الانعزال عن جماعة المسلمين ومفارقتهم لها:

وقالَ الطَّبري: «قال أبو مِخنَف عن عبدِ الملك بنِ أبي حرَّة: إنَّ عليًّا لمَّا بعَث أبا موسى لإنفاذِ الحكومةِ لقِيَت الخوارجُ بعضَها بعضًا، فاجتَمعوا في منزلِ عبد الله بنِ وهب الرَّاسبي، فحمدَ الله وأثنى عليه ثمَّ قال: أمَّا بعد، فواللهِ ما يَنبغي لقومٍ يؤمنون بالرَّحمن وينِيبون إلى حُكْمِ القرآنِ أن تكونَ هذِه الدُّنيا التي الرِّضا بها والركونُ إليها والإيثارُ إيَّاها عناءٌ وتَبارٌ آثرَ عندهم مِنَ الأمر بالمعروفِ والنهيِّ عن المنكَرِ والقولِ بالحقِّ، فاخرجوا بنا إخوانَنا مِن هذه القرية الظَّالمِ أهلُها إلى بعض كُوَرِ الجبالِ أو إلى بعضِ هذِه المدائنِ منكرِينَ لهذِه البِدَع المُضلَّةِ»([9]).

- الخروج على ولاة الأمور وتكفيرهم:

 وفقًا لأصولهم المبتدعة فخرجوا عليهم. قال الإمام السُّيوطي عن منهج الخوارج واعتقادهم: «أخرج ابن المنذر عن سعيد بن جُبير قال: المتشابهات آياتٌ في القرآن يتشابهنَ على النَّاس إذا قرءُوهنَّ، ومن أجل ذلكَ يَضل مَن ضلَّ، فكلُّ فرقةٍ يقرءون آيةً من القرآن يزعمون أنَّها لهم، فمما يتَّبع الحروريَّةُ (اسم للخوارج) من المتشابه قول الله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، ثم يقرءون معها: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1]. فإذا رأوا الإمامَ يحكمُ بغير الحقِّ قالوا: قد كَفَرَ، فمَن كَفَر عدلَ بربِّه، ومَن عدلَ بربِّه فقد أشركَ بربِّه، فهذه الأئمَّة مشركونَ» ([10]).

- استحلال الدماء: قامت هذه الطائفة الخبيثة باستحلال دماء المسلمين بناء على تكفيرهم ([11] ).

 تطور الفكر التكفيري في الأمة الإسلامية في العصر الحديث

خفَّت آثار الفكر التكفيرى العلمية والعملية إلى أقل الدرجات عبر القرون، ثم حدث له نوع انبعاث في القرن الثاني عشر من الهجرة على يد طوائف أحيت هذا الفكر، وحدث له نمو وتراكم حتى يومنا هذا،  وقد ظهر في أشكال فكرية وعملية متنوعة على يد طوائف اعتنقته، فحصل التطابق التام بينها وبين الخوارج القدامى من حيث الفكر والسلوك والأقوال والأفعال، فقاموا برمي المسلمين بالردة والكفر والوقوع في الشرك، وقالوا بجاهلية المجتمعات الإسلامية وانقطاع الدين عنها، بناءً على تصورات باطلة منحرفة لقضايا الإيمان والشريعة والمجتمعات الإسلامية.

سمات الفكر التكفيري في العصر الحديث

- ظهور مرجعيات أدبية، وشخصيات قيادية تخفت في صورة شرعية أصَّلت لهذا الفكر وقامت بالتنظير له، والعمل على بثه بين المسلمين على أساس أنه الفهم الصحيح للشريعة وأحكامها. وقد تمحور منهجهم التكفيري حول عدة مسائل، قاموا من خلالها بالعمل على تغيير المفاهيم الصحيحة الشرعية. فمن هذه المسائل:

قضايا الإيمان والحكم بالإسلام وأسماء وصفات الباري سبحانه وتعالى

 وفيه ابتعد أصحاب هذا الفكر عن منهج واعتقاد جموع الأمة، واستدعوا بعض النماذج من الأقوال الشاذة المهجورة([12])، جعلوا منها مقياس صحة الإسلام وتحقيق التوحيد؛ فوقعوا في بدعة التقسيم الثلاثي للتوحيد، وطالبوا المسلمين بأن يعتقدوا هذا المعتقد، وإلا فإنهم ليسوا بموحدين. وفي جانب الأسماء والصفات طالبوا المسلم باعتقاد محدد ينضوي على التجسيم والتشبيه خالفوا فيه جماهير علماء الأمة وأفرادها، من لم يحققه عندهم فقد وقع في كفر الأسماء والصقات.

- قضايا الشريعة والحكم:

 ظهرت سمات المنهج التكفيري في هذا الباب من خلال إعلان أصحابه القول بجاهلية المجتمعات المسلمة المعاصرة، والقول بأنها تُحكم بغير ما أنزل الله، والدعوة لما أسموه بالحاكمية ولوازمها، وما ينتج عن ذلك عندهم من القول بتكفير الحكام والمحكومين وردتهم عن الإسلام رغم نطقهم بالشهادتين والتزامهم بأحكام الإسلام، والقول بأن هذه الديار ليست بديار إسلام؛ وأن ذلك يوجب عليهم ويبيح لهم بأن يخرجوا عليها بقوة السلاح، مقاتلين لأهلها مستحلين للدماء والأعراض والأموال، يصاحبهم في ذلك اعتقاد بأنهم هم الطائفة المؤمنة التي يجب أن يكون بينها وبين هذه المجتمعات التميز والمفاصلة ثم الصدام والمواجهة.

ومن الذين قاموا بالتأصيل الباطل المنحرف لهذه الأقوال في العصر الحديث «سيد قطب»؛ حيث صارت كتبه وما تحويها من أفكار وتنظير منهجًا تكفيريًّا كاملًا، يدخل من خلاله العديد من المخدوعين إلى ضلال الفكر التكفيري. فيقول في كتبه:

«لقد استدارَ الزَّمانُ كهيئته يوم جاء هذا الدِّين إلى البشريَّة بلا إله إلَّا الله، فقد ارتدَّت البشريَّة إلى عبادة العباد وإلى جَور الأديان، ونكصتْ عن لا إله إلَّا الله، وإنْ ظلَّ فريقٌ منها يردِّدُ على المآذن: «لا إله إلَّا الله» دونَ أنْ يُدرِكَ مدلولَها»([13]).

«إنَّه ليس على وجهِ الأرضِ اليومَ دولةٌ مسلِمةٌ، ولا مجتمعٌ مسلِمٌ، قاعدةُ التَّعاملِ فيه هي شريعةُ اللهِ والفقهُ الإسلامي»([14]).

«نحن اليوم في جاهليَّةٍ كالجاهليَّةِ التي عاصرها الإسلامُ أو أظلم، كلُّ ما حولنا جاهليَّة»([15]).

«حين نستعرضُ وجهَ الأرضِ كلَّه اليوم على ضوءِ هذا التَّقرير الإلهيِّ لمفهوم الدِّين والإسلامِ لا نرى لهذا الدِّين وجودًا، إنَّ هذا الوجود قد توقَّفَ» ([16] ).

- قضايا السلوك والتربية والتزكية:

 حيث اتهم أصحاب هذا الفكر الجانب الروحي في الإسلام، المشتمل على التصوف والتربية والتزكية، بأنه شرك وبدعة، وأن من يسلك هذا الطريق يقع في الشرك والابتداع. وأنه من أهل الإلحاد والضلال([17] ).

- قضايا الفقه والأحكام التشريعية والمذهبية:

ظهر الفكر التكفيري في هذا الجانب من خلال ما قام به أصحابه من تحويل الاختلافات والنزاعات الفقهية والمذهبية، والتي فيها متسع للأمة، إلى نزاع عقدي أصولي يترتب عليه أحكام من التكفير، ورمي المسلمين بالوقوع في الشرك. فألحقوا بمسمَّى الكفر ما ليس منه، ووضعوا القضايا الفقهية في إطار تكفيري. فمن أمثلة ذلك: مسألة الصلاة في المساجد التي تحتوي على أضرحة آل البيت والأولياء، أو قضايا التوسل بالأنبياء والأولياء.

 وعلى الجملة فقد ظهر الفكر التكفيري في العصر الحديث مرتكنًا على مجموعة من الأفكار والآراء المخالفة لما عليه جماهير الأمة، ثم تلا ذلك مراحل من الدعوة لهذه الآراء، وتكوين جماعات ذات أسماء مختلفة تعتنق الفكر التكفيري تعمل على تطبيق كلياته وجزئياته.

-  من أسباب هذا الانحراف الفكري:

- الانحراف في منهج الاستدلال الأصولي، والجهل بأسس فهم الكتاب والسنة، الذي أنتج التصور الخاطئ لقضايا الإيمان والكفر.

- الجهل التام بمقاصد الشريعة عند أصحاب هذا الفكر، وما ينتج عن ذلك من الاستهانة بالدماء والأموال والأعراض.

- الجرأة على كتاب الله والاعتماد على النفس في استنباط المعاني والأحكام.

- ظنهم بأن الحكم بالتكفير هو حق لآحاد الناس وعامتهم وذلك باطل لأن ذلك هو عمل القضاء.

- اتباع الهوى والميل إلى التحزب حول فكرة تعطي نوعًا من التميز والاستعلاء عن باقي الأمة، حتى وإن كانت باطلة.

 


([1]) معجم مقاييس اللغة (5/191) تأليف: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين - المحقق: عبد السلام محمد هارون - الناشر: دار الفكر - عام النشر: 1399هـ - 1979م.

([2]) النهاية في غريب الحديث والأثر (4/187) تأليف: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري - تحقيق: طاهر أحمد الزاوي - محمود محمد الطناحي -  الناشر: المكتبة العلمية - بيروت، 1399هـ - 1979م.

([3]) المفردات في غريب القرآن (ص715) تأليف: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني – تحقيق: صفوان عدنان الداودي - الناشر: دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت - الطبعة: الأولى - 1412 هـ.

([4]) الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/118) تأليف: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري - الناشر: مكتبة الخانجي - القاهرة.

([5]) جزء من حديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب من ترك قتال الخوارج للتألف وألا ينفر الناس عنه (6933)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم (1064) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه به مرفوعًا. وقد جاءت الكثير من الأحاديث النبوية التي حذرت من ظهور هذه الطائفة وأرشدت الأمة إلى علامات مميزة لهم شفقة من النبي ﷺ من أن تنخدع أمته بهم وحفظًا لشريعته من التبديل والتغيير.

([6])كلمة الخوارجِ قدِ استُعمِلَت للدلالةِ على طوائفَ شتَّى، والمقصودُ هنا هي الفِرقة التي خالفَت المسلمينَ في الاعتقادِ والفَهمِ لدينِ الإسلامِ وانعزلت عنهم وفارقتهم ومَا تَبِع ذلك مِن ظهورِ تكفيرِ المسلمين، وظهورِ استِحلالِ الدِّماء والأموالِ، وحملِهم الآياتِ الَّتي نزَلَت في الكفَّارِ والمشركين على المسلِمينَ وإسقاطِها عليهِم، متَّخذِين لأنفسِهم مَنهجًا وسلوكًا مخالِفًا لمنهجِ أهلِ السُّنَّة والجماعةِ منذ بدايةِ الصَّدرِ الأوَّلِ في الإسلامِ. يقول الإمامُ أبو الحسَن الأشعري: «فأَبَوا إلَّا خلعَه وإكفارَه بالتَّحكيم، وخرَجوا عليهِ، فسُمُّوا خوارجَ؛ لأنَّهم خرَجوا على عليِّ بن أبي طالبٍ رضوانُ اللهِ عليه وصارَ اختِلافًا إلى اليومِ». انظر: مقالات الإسلاميين (1/64). وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ العَسقلانيُّ رحمَه اللهُ في تعريفِ الخوارجِ: «أمَّا الخوارجُ فهم جمعُ خارجةٍ -أي: طائفةٍ- وهم قومٌ مبتدِعون، سمُّوا بذلك لخروجِهم عنِ الدِّين وخروجِهم على خِيارِ المسلِمينَ» فتح الباري (12/283). وينقل الإمام محمَّد أبو زهرة عن مسلك الخوارج في التَّكفير فيقول: «ويرى الخوارجُ تكفيرَ أهل الذُّنوبِ، ولم يفرِّقوا بين ذنبٍ وذنبٍ، بل اعتبروا الخطأَ في الرأي ذنبًا إذا أدَّى إلى مخالفة وجهة الصَّواب في نظرِهم ولذا كفَّروا عليًّا رضي الله عنه بالتَّحكيم مع أنَّه لم يُقدِم عليه مختارًا، ولو سُلِّم أنَّه اختاره فالأمرُ لا يعدو أنَّه اجتهادٌ قد أخطأ فيه، إنْ كان التَّحكيمُ جانَبَ الصَّوابَ فلجاجتُهم في تكفيرِه رضي الله عنه دليلٌ على أنَّهم يرونَ الخطأَ في الاجتهادِ يُخرج من الدِّين، كذلك كان شأنُ طلحةَ والزُّبيرِ رضي الله عنهما وغيرِهم من علية الصَّحابة الذين خالفوهم في جزئيةٍ من جزئياتٍ كانت نتيجةً لاجتهادِهم. وإنَّ هذا المبدأ هو الذي جعلهم يَخرجون على جماهير المسلمينَ، ويعتبرون مخالفيهم مشـركينَ» تاريخ المذاهب الإسلامية (ص 62- 63) للإمام محمَّد أبي زهرة- دار الفكر العربي- القاهرة.

([7]) انظر: تفسير الطَّبري المسمى: جامع البيان في تأويل الآي والقرآن (11/253) للإمام محمد بن جريرٍ الطبري - حقَّقه وعلَّق حواشيه محمود محمد شاكر، راجعه وخرَّج أحاديث أحمد محمد شاكر- مَكتبة ابن تيميَّة- الطبعة الثانية.

([8]) انظر: تفسير القرآن العظيم (4/116) للإمام إسماعيل بن عمر بن كثير - تحقيق: سامي بن محمد سلامة- دار طيبة- الطبعة الثانية- الرياض- 1999م.

([9]) انظر: انظر: تاريخ الرسل والملوك (5/74) للإمام محمَّد بن جرير الطَّبري- تحقيق: محمَّد أبو الفضل إبراهيم- دار المعارف- مصر- الطَّبعة الثَّانية.

([10]) انظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور (3/449- 450) للحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي- تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي- دار هجر- القاهرة- الطبعة الأولى 2003م.

([11]) انظر مثال ذلك في: البداية والنهاية (10/584) للإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير- تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي- دار هجر- الطبعة الأولى- 1998م .

([12]) من معتمداتهم في هذا الباب كتب ومصنفات ابن تيمية والتي ظهر فيها نوع تشدد وظهر فيها جانب من الآراء والفتاوى التي ظهرت فيها الروح التكفيرية.

([13]) انظر: في ظلال القرآن (2/1057) سيد قطب إبراهيم - دار الشروق - بيروت- القاهرة-الطبعة السابعة عشر- 1412هـ.

([14]) انظر: في ظلال القرآن (2/1057).

([15]) انظر: معالم في الطريق (ص17) سيد قطب – دار الشروق 1973م.

([16]) العدالة الاجتماعية في الإسلام (ص183) سيد قطب – دار الشروق القاهرة – الطبعة الثالثة عشر1993م.

([17]) انظر الأقوال التي اعتمد عليها هؤلاء في كتب ابن تيمية: مجموع الفتاوى (2/131)، (8/232)، (17/336)، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص103)، الصفدية (1/269) بيان تلبيس الجهمية (3/784) فقد اشتملت هذه الأقوال على رمي المتصوفة بالإلحاد  والزندقة والشرك فجاء الخوارج الجدد من أصحاب الفكر التكفيري باعتناقها ورموا المسلمين بالشرك.